سهيلة عبد الباعث الترجمان
333
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الوجود التي يبدو أنها لا تتفق ونظرية الفيوضات الأفلوطينية رغم استعماله كلمة الفيض وما يتصل بها من اصطلاحات في تعبيره عن هذه القضية ، إلّا أن الفيض له عنده معنى يختلف تماما عنه لدى أفلوطين . ومما يراه في هذا المجال أن الوجود فائض عن الواحد متجل في صور أعيان الممكنات التي لا تتناهى ، وبهذا المعنى الذي أراده لم يجد حرجا في القول بأن الكثرة قد صدرت عن الواحد خلافا لما كان عليه الفلاسفة المشاؤون من المسلمين في القول بنفي صدور هذه الكثرة عن الواحد ، على حين أنه يرى أن الواحد قد ظهر بصور الأعيان المتكثرة في الوجود الخارجي . وبهذا ردّ فكرة الفلاسفة القائلين " أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد " بل قال أن الواحد قد صدر عنه العقل الأول كما صدر عنه الأرواح المهيمة « * » وأرواح الكاملين من الخلق كالأنبياء والأولياء ، بل وروح كل موجود حيث أنه لا موجود إلا وله روح . وبعبارة أدق فأن ما يراه ابن عربي أنه قد صدر عن الواحد الحق كل شيء لأنه حقيقة كل شيء ، والمتجلي في كل شيء ، وهو إذ يبين لنا في مذهبه مدى افتقار كل شيء في وجوده إلى موجد قوي قادر فعّال لما يريد ، فهذا هو المنطلق الذي بدأ منه ابن عربي عرضه لقضية الخلق ، وفي مقالته عن افتقار كل شيء إلى اللّه . فهو يستند في ذلك إلى إظهار مدى افتقار كل شيء إلى صورة العبودية الحقة التي يتميز بها الحق عن الخلق ، بل وينفرد بها أيضا ، لأن كل ما سوى اللّه هو محل جريان القدرة الإلهية وتصريفات الحق له ، فيفتقر إلى كل شيء ، فإنه في الواقع ما يفتقر إلا إلى اللّه ، ولا يرى أن شيئا يفتقر إليه في نفسه ، فتظهر عندها المساواة الحقة بين الموجودات من حيث افتقارها جميعها إلى ممدّ لها في وجودها ، يقول : " فما خلق اللّه العالم على قدم واحدة إلا في شيء واحد وهو الافتقار ، فالفقر له ذاتي والغنى له أمر عرضي ، ومن لا علم له يغيب عنه الأمر الذاتي له بالأمر العارض ، والعالم المحقق لا يزال الأمر الذاتي له في كل شيء وفي نفسه مشهودا له دائما دنيا وآخرة ، فلا يزال عبدا فقيرا تحت إمرة
--> ( * ) الأرواح المهيمة : أي الأرواح الهائمة ، ج هيّم وهيّام : المتحير ، ونقول تهيّم تهيما فلانا : حمله على الهيام . ونقول استهيم فؤاده : ذهب فؤاده وخلب عقله من الحب أو غيره فهو مستهام الفؤاد .